الشيخ محمد رشيد رضا
555
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
واستماعه مع التدبر بنية الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه . فالايمان الاذعاني الصحيح يزداد ويقوى وينمي وتترتب عليه آثاره من الأعمال الصالحة وترك المعاصي والفساد بقدر تدبر القرآن ، وينقص ويضعف على هذه النسبة من ترك تدبره ، وما آمن أكثر العرب إلا بسماعه وفهمه ، ولا فتحوا الأقطار ، ومصروا الأمصار ، واتسع عمرانهم ، وعظم سلطانهم ، إلا بتأثير هدايته ، وما كان الجاحدون المعاندون من زعماء مكة يجاهدون النبي ويصدونه عن تبليغ دعوة ربه إلا بمنعه من قراءة القرآن على الناس ، ( وقالوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) وما ضعف الاسلام منذ القرون الوسطى حتى زال أكثر ملكه إلا بهجر تدبر القرآن ، وجعله كالرقى والتعاويذ التي تتخذ للتبرك أو لشفاء أمراض الأبدان ، وجل فائدة الصلاة وهي عماد الدين بتلاوة القرآن مع التدبر والتخشع ، فإذا زال منها هذا صارت عادة قليلة الفائدة . والآيات الدالة على ذلك فيه كثيرة تقدم بعضها مع تفسيرها فمن التطويل في غير محله إيراد شيء منها هنا وإنني أختم هذا البحث بأول حديث عائشة ( رض ) الطويل في الهجرة من رواية صحيح البخاري للاستشهاد به على ما كان من تأثير سماع القرآن عند مشركي العرب قال : حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب أخبرني عروة ابن الزبير أن عائشة ( رض ) زوج النبي ( ص ) قالت لم أعقل أبويّ قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طرفي النهار بكرة وعشية ، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة « 1 » وهو سيد القارة ، فقال أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي . قال ابن الدغنة فان مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج : انك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ، ارجع واعبد ربك ببلدك .
--> ( 1 ) تعني بابتلاء المسلمين اضطهاد المشركين لهم لارجاعهم عن الاسلام بالقوة والقهر . ولفظ الدغنة يضبطه المحدثون بفتح الدال وكسر الغين وتخفيف النون وتشديدها واللغويون بضمهما وتشديد النون